رواية
" ذاكرة أرانجا " الصادرة عن دار فضاءات في عمان عام 2013لمؤلفها "
محمد علوان جبر " يمكن ان نعدها رواية الشخصية على الرغم من أنها تشكل
امتدادا تأريخيا لبعض شخصياته في اعمال قصصية سابقة له كما في مجموعة شرق بعيد ،
وهي شخصية " هوبي عبد الرزاق " التي شكلت جزءا مهما من بؤرة الحدث
الدرامي المتصاعد في " ذاكرة أرانجا " منذ اكتسابها شرعية الوجود المغاير لوجوده ومصيره من خلال منحها هوية
الاحوال المدنية وانخراطها في الجيش ، حتى لحظة انسلاخها من واقعها التسلطي كقوة
قامعة وتحولها الى شخصية واعية لمدركات تغيير الواقع في انخراطها في صفوف حركة
ثورة تطرح فعلا ثوريا لتغيير واقع فاسد ، مريض ، قامع لحركة الواقع ومعادي لمصلحة
الشعب ، لذا يمكن ان نطلق عليها ب " الشخصية المركزية " في حين ظلت
الشخصيات الاخرى ، شخصيات ثانوية لها قوة ومتانة شخصية " هوبي " التي
ظلت على الرغم من غيابها عن الحدث الرئيسي " المركزي " في احيان كثيرة
الا انها تحولت الى مركز الضوء ودائرة الحدث ، وهذا ماجعل الروائي ـ السارد ـ يعود
اليها حين يشعر أنه ابتعد عنها من خلال تماهي سرده مع الشخصيات الاخرى على مدى زمن
الرواية المتداخل في أماكن عديدة منها " أرانجا" التي هي كركوك ومدينة
الثورة ، في بدايات تأسيسها ، مجسدة في انثيال ذاكرة تومض بالاحداث والاماكن بشكل
خاطف بعيدا عن " التوصيف المكاني " الممل والمسهب ، فهي " أي
الاماكن " وعاء يضع فيه الروائي حدثه دون زيادات تؤرشف الاحداث ، حتى ان
تناوله لبعض الاحداث المهمة ، كأنقلاب شباط الاسود ، جاء بشكل عابر بعيدا عن
الشعارية السياسية التي تحط من شأن الرواية بأعتبارها مرموزا تأريخيا للحدث ، وهذه
فضيلة تحسب للروائي ( محمد علوان جبر ) في حيادية بعدم الانجرار لجعل روايته مركزا
شعاريا سياسيا إذ أن الروائي يجب ان ينأى بنفسه عن الانحياز ، ويترك الحكم للمتلقي
في القبول لما يدعو اليه .
إن تناول الشخصية بوصفها أخط
ر
مكونات التأليف الروائي ، كما يذهب الى ذلك " فورستر " صاحب التقسيم
الشهير : الشخصية المسطحة والشخصية المستديرة ، في حين جاء " ادوين موير
" بتقسيم اكثر شهرة هو " رواية الحدث " و " رواية الشخصية
" والتي يرى هو أن من أهدافها وصف المجتمع ، وقد لايتفق الكثيرون معه في ذلك
بأعتبار أن خلق الشخصية الرواية هو في ذاته هدف وليس غاية ، فالشخصيات لدي الروائي
المتطور ، ليسوا سوى انماط تمثل مجتمعا كمجتمعات الكائنات الحية الاخرى ، ولكنهم
ماأن يكتبوا حتى نراهم يحاولون جهد طاقتهم ان يخلقوا الشخصيات بحماس يجعلهم لايختلفون
عن غيرهم من الروائيين العالميين ، اللهم الا في المقدرة الابداعية في التصور ورسم
الملامح وتوظيف الحدث في بنية النص الروائي ، وهذا مانتلمسه بوضوح في التقنية
الروائية في متابعة تطور الشخصية المركزية في (ذاكرة أرانجا
ولم يكن الشكل الروائي بعيدا في ابداع ( محمد علوان جبر ) إذ
أن هناك يميزه في زوايا ثلاث .. اولها : زاوية الرؤية ، والزمن , والاسلوب ، فأما
زاوية الرؤية ، فمع أن الرواية تحكي بضمير الغائب ، إلا ان الرؤيا تدور عبر البطل
الرئيسي " هوبي " ، فهي حاضرة وماضيه ، واحلامه ، واحزانه ، وأفراحه ،
واخفاقاته ، ونجاحاته ، وسجنه بتهمة الانتماء الى الشيوعيين ، وتشرده ، وانكساراته .
أما الترتيب الزمني في الرواية فهو واضح وجلي ، فهو الترتيب الذي يفرضه هذا الشكل الفني ، فالحوادث التي تقع على مسرح الرواية ، والتي يسردها الروائي ، تسير بترتيب زمني وحكائي ، متصل ، تتخلله الاحلام والمونولوج الداخلي ، أي دنيا هوبي الميتافيزيقية من خلال استذكار احداث ظلت طي الذاكرة ، راحت تنبعث من جديد في انساق متصاعدة
أما الترتيب الزمني في الرواية فهو واضح وجلي ، فهو الترتيب الذي يفرضه هذا الشكل الفني ، فالحوادث التي تقع على مسرح الرواية ، والتي يسردها الروائي ، تسير بترتيب زمني وحكائي ، متصل ، تتخلله الاحلام والمونولوج الداخلي ، أي دنيا هوبي الميتافيزيقية من خلال استذكار احداث ظلت طي الذاكرة ، راحت تنبعث من جديد في انساق متصاعدة
أما
الاسلوب ، فالرواية يمكن ان نمثلها بملحمة شعرية تتكون من حيوات شخصيات ثانوية تصب
مجريات احداثها وتمظهراتها وحيواتها في نهر الشخصية المركزية ( هوبي ) في محاولة
لاستعادتها وخلقها وبثها من جديد ، لتكون علامة ادانة لزمن مضى مثقلا بالمرارات
والعذابات والاخفاقات في تاريخ العراق الحديث ، وماجرى فيه من احداث جسام توشحت
بالمفاصل والات التعذيب والانتهاكات لحقوق الانسان في الرأي والمبدأ ، وهو مالم
تطرحه الرواية بشكل مباشر ، اذ كان الايماء هو النغم السائد في الرواية ، حتى
لايثقل الروائي على المتلقي في متابعة حدثه الروائي وانسيابيته دون الاخلال في شرط
الرواية الجمالية.
لقد
استخدم الروائي تقنية ( الراوي العليم ) الذي كان يلم بمهارة فائقة اشتات زمن هرم
، مضى ولم تبق منه غير ذاكرة ، لايعرف مجريات احداثها الا من عاشها واكتوى بنارها
، على الرغم انها لم تكن غير عقود عدة عاش الروائي بعض احداثها في طفولته ، وظلت
عالقة كما يبدو في دهاليز ذاكرته المعبئة بالرؤى والحدس ، فهو البطل السارد ( ابراهيم
) لكثير من المشاهد ، بسرد مختزل ومحكم ، وهي ميزة امتاز بها ( محمد علوان جبر )
روائيا وقاصا ، فهو يختزل الحدث ، ولاينساق وراءه ، بل يظل مراقبا وحياديا في
روايته ، ويضع في حساباته ثقافة المتلقي ومدركاته الحسية في التلقي والحكم على
صلاحية وديمومة نصه الروائي ومدى نجاحه أو أخفاقه ، وعدم فرض قناعات مسبقة عليه .
إن رواية ( ذاكرة أرانجا ) تمثل ابداعا متميزا في المشهد الروائي العراقي ، وتمثل انحيازا واعيات لقوى الخير المحبة للسلام ، في بناء وطن بعيد عن القهر والاستلاب .. وطن يعيش فيه الجميع ، متحابين ومتأخين ، تسود فيه قيم الخير والجمال والسعادة ...
إن رواية ( ذاكرة أرانجا ) تمثل ابداعا متميزا في المشهد الروائي العراقي ، وتمثل انحيازا واعيات لقوى الخير المحبة للسلام ، في بناء وطن بعيد عن القهر والاستلاب .. وطن يعيش فيه الجميع ، متحابين ومتأخين ، تسود فيه قيم الخير والجمال والسعادة ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق