بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 24 فبراير 2017

(أرانجا) تأريخ ضاج بالتساؤلات




د. عبد الكريم عباس الزبيدي

رواية " ذاكرة أرانجا " الصادرة عن دار فضاءات في عمان عام 2013لمؤلفها " محمد علوان جبر " يمكن ان نعدها رواية الشخصية على الرغم من أنها تشكل امتدادا تأريخيا لبعض شخصياته في اعمال قصصية سابقة له كما في مجموعة شرق بعيد ، وهي شخصية " هوبي عبد الرزاق " التي شكلت جزءا مهما من بؤرة الحدث الدرامي المتصاعد في " ذاكرة أرانجا " منذ اكتسابها شرعية الوجود المغاير لوجوده ومصيره من خلال  منحها هوية الاحوال المدنية وانخراطها في الجيش ، حتى لحظة انسلاخها من واقعها التسلطي كقوة قامعة وتحولها الى شخصية واعية لمدركات تغيير الواقع في انخراطها في صفوف حركة ثورة تطرح فعلا ثوريا لتغيير واقع فاسد ، مريض ، قامع لحركة الواقع ومعادي لمصلحة الشعب ، لذا يمكن ان نطلق عليها ب " الشخصية المركزية " في حين ظلت الشخصيات الاخرى ، شخصيات ثانوية لها قوة ومتانة شخصية " هوبي " التي ظلت على الرغم من غيابها عن الحدث الرئيسي " المركزي " في احيان كثيرة الا انها تحولت الى مركز الضوء ودائرة الحدث ، وهذا ماجعل الروائي ـ السارد ـ يعود اليها حين يشعر أنه ابتعد عنها من خلال تماهي سرده مع الشخصيات الاخرى على مدى زمن الرواية المتداخل في أماكن عديدة منها " أرانجا" التي هي كركوك ومدينة الثورة ، في بدايات تأسيسها ، مجسدة في انثيال ذاكرة تومض بالاحداث والاماكن بشكل خاطف بعيدا عن " التوصيف المكاني " الممل والمسهب ، فهي " أي الاماكن " وعاء يضع فيه الروائي حدثه دون زيادات تؤرشف الاحداث ، حتى ان تناوله لبعض الاحداث المهمة ، كأنقلاب شباط الاسود ، جاء بشكل عابر بعيدا عن الشعارية السياسية التي تحط من شأن الرواية بأعتبارها مرموزا تأريخيا للحدث ، وهذه فضيلة تحسب للروائي ( محمد علوان جبر ) في حيادية بعدم الانجرار لجعل روايته مركزا شعاريا سياسيا إذ أن الروائي يجب ان ينأى بنفسه عن الانحياز ، ويترك الحكم للمتلقي في القبول لما يدعو اليه .

إن تناول الشخصية بوصفها أخط
ر مكونات التأليف الروائي ، كما يذهب الى ذلك " فورستر " صاحب التقسيم الشهير : الشخصية المسطحة والشخصية المستديرة ، في حين جاء " ادوين موير " بتقسيم اكثر شهرة هو " رواية الحدث " و " رواية الشخصية " والتي يرى هو أن من أهدافها وصف المجتمع ، وقد لايتفق الكثيرون معه في ذلك بأعتبار أن خلق الشخصية الرواية هو في ذاته هدف وليس غاية ، فالشخصيات لدي الروائي المتطور ، ليسوا سوى انماط تمثل مجتمعا كمجتمعات الكائنات الحية الاخرى ، ولكنهم ماأن يكتبوا حتى نراهم يحاولون جهد طاقتهم ان يخلقوا الشخصيات بحماس يجعلهم لايختلفون عن غيرهم من الروائيين العالميين ، اللهم الا في المقدرة الابداعية في التصور ورسم الملامح وتوظيف الحدث في بنية النص الروائي ، وهذا مانتلمسه بوضوح في التقنية الروائية في متابعة تطور الشخصية المركزية في (ذاكرة أرانجا
 ولم يكن الشكل الروائي بعيدا في ابداع ( محمد علوان جبر ) إذ أن هناك يميزه في زوايا ثلاث .. اولها : زاوية الرؤية ، والزمن , والاسلوب ، فأما زاوية الرؤية ، فمع أن الرواية تحكي بضمير الغائب ، إلا ان الرؤيا تدور عبر البطل الرئيسي " هوبي " ، فهي حاضرة وماضيه ، واحلامه ، واحزانه ، وأفراحه ، واخفاقاته ، ونجاحاته ، وسجنه بتهمة الانتماء الى الشيوعيين ، وتشرده ، وانكساراته .
 
أما الترتيب الزمني في الرواية فهو واضح وجلي ، فهو الترتيب الذي يفرضه هذا الشكل الفني ، فالحوادث التي تقع على مسرح الرواية ، والتي يسردها الروائي ، تسير بترتيب زمني وحكائي ، متصل ، تتخلله الاحلام والمونولوج الداخلي ، أي دنيا هوبي الميتافيزيقية من خلال استذكار احداث ظلت طي الذاكرة ، راحت تنبعث من جديد في انساق متصاعدة

أما الاسلوب ، فالرواية يمكن ان نمثلها بملحمة شعرية تتكون من حيوات شخصيات ثانوية تصب مجريات احداثها وتمظهراتها وحيواتها في نهر الشخصية المركزية ( هوبي ) في محاولة لاستعادتها وخلقها وبثها من جديد ، لتكون علامة ادانة لزمن مضى مثقلا بالمرارات والعذابات والاخفاقات في تاريخ العراق الحديث ، وماجرى فيه من احداث جسام توشحت بالمفاصل والات التعذيب والانتهاكات لحقوق الانسان في الرأي والمبدأ ، وهو مالم تطرحه الرواية بشكل مباشر ، اذ كان الايماء هو النغم السائد في الرواية ، حتى لايثقل الروائي على المتلقي في متابعة حدثه الروائي وانسيابيته دون الاخلال في شرط الرواية الجمالية.
لقد استخدم الروائي تقنية ( الراوي العليم ) الذي كان يلم بمهارة فائقة اشتات زمن هرم ، مضى ولم تبق منه غير ذاكرة ، لايعرف مجريات احداثها الا من عاشها واكتوى بنارها ، على الرغم انها لم تكن غير عقود عدة عاش الروائي بعض احداثها في طفولته ، وظلت عالقة كما يبدو في دهاليز ذاكرته المعبئة بالرؤى والحدس ، فهو البطل السارد ( ابراهيم ) لكثير من المشاهد ، بسرد مختزل ومحكم ، وهي ميزة امتاز بها ( محمد علوان جبر ) روائيا وقاصا ، فهو يختزل الحدث ، ولاينساق وراءه ، بل يظل مراقبا وحياديا في روايته ، ويضع في حساباته ثقافة المتلقي ومدركاته الحسية في التلقي والحكم على صلاحية وديمومة نصه الروائي ومدى نجاحه أو أخفاقه ، وعدم فرض قناعات مسبقة عليه .
إن رواية ( ذاكرة أرانجا ) تمثل ابداعا متميزا في المشهد الروائي العراقي ، وتمثل انحيازا واعيات لقوى الخير المحبة للسلام ، في بناء وطن بعيد عن القهر والاستلاب .. وطن يعيش فيه الجميع ، متحابين ومتأخين ، تسود فيه قيم الخير والجمال والسعادة ...
https://scontent.fjrs2-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-1/p32x32/15027779_10154664926193770_3007105879880241538_n.jpg?oh=d63badd7cbaa86c0007b7f5965970cfc&oe=5929AA85

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق